ابن كثير
277
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ، قال اللّه تعالى : سَأُصْلِيهِ سَقَرَ أي سأغمره فيها من جميع جهاته ، ثم قال تعالى : وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ وهذا تهويل لأمرها وتفخيم ، ثم فسر ذلك بقوله تعالى : لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ أي تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم ثم تبدل غير ذلك ، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون ، قاله ابن بريدة وأبو سنان وغيرهم . وقوله تعالى : لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ قال مجاهد أي للجلد ، وقال أبو رزين : تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل ، وقال زيد بن أسلم : تلوح أجسادهم عليها . وقال قتادة : لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ أي حراقة للجلد وقال ابن عباس : تحرق بشرة الإنسان . وقوله تعالى : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ أي من مقدمي الزبانية عظيم خلقهم غليظ خلقهم . وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا ابن أبي زائدة ، أخبرني حارث عن عامر عن البراء في قوله تعالى : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قال : إن رهطا من اليهود سألوا رجلا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن خزنة جهنم فقال : اللّه ورسوله أعلم ، فجاء الرجل فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه تعالى عليه ساعتئذ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ فأخبر أصحابه وقال : « ادعهم أما إني سائلهم عن تربة الجنة إن أتوني ، أما إنها در مكة بيضاء » فجاؤوه فسألوه عن خزنة جهنم فأهوى بأصابع كفيه مرتين وأمسك الإبهام في الثانية ثم قال : « أخبروني عن تربة الجنة » فقالوا : أخبرهم يا ابن سلام ، فقال : كأنها خبزة بيضاء : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما إن الخبز إنما يكون من الدرمك » هكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء . والمشهور عن جابر بن عبد اللّه كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا مندة ، حدثنا أحمد بن عبدة ، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم ، حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا محمد غلب أصحابك اليوم . فقال : « بأي شيء ؟ » قال : سألتهم يهود هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار ؟ قالوا : لا نعلم حتى نسأل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ علي بأعداء اللّه لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم اللّه جهرة » فأرسل إليهم فدعاهم قالوا : يا أبا القاسم كم عدة خزنة أهل النار ؟ قال : « هكذا » وطبق كفيه ثم طبق كفيه مرتين وعقد واحدة وقال لأصحابه : « إن سئلتم عن تربة الجنة فهي الدرمك » فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما تربة الجنة ؟ » فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا : خبزة يا أبا القاسم . فقال : « الخبز من الدرمك » « 1 » وهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر عن سفيان به ، وقال هو والبزار لا يعرف إلا من حديث مجالد ، وقد رواه الإمام أحمد عن علي بن المديني عن سفيان فقص الدرمك فقط .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 74 ، باب 4 ، وأحمد في المسند 3 / 361 .